شرح كتاب " سنن الإمام الترمذي " ( 21 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,126 مشاهدة
285 مشاركة
منذ سنة

مقدمة

نقدم لكم الحلقة الحادية والعشرين من سلسلة شرح كتاب "سنن الإمام الترمذي" لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، والتي تتناول أحكامًا فقهية مهمة تتعلق بالطهارة، وهي من أهم أبواب الفقه التي يحتاج إليها كل مسلم في حياته اليومية. يهدف هذا الدرس إلى إيضاح المسائل المتعلقة بالوضوء والمضمضة من منظور السنة النبوية الشريفة، مع تسليط الضوء على المنهج الصحيح في التعامل مع الأدلة الشرعية.

يناقش الشيخ في هذا المجلس مسألتين أساسيتين: حكم الوضوء بالنبيذ، وحكم المضمضة بعد شرب اللبن. يستعرض الدرس أقوال العلماء والأدلة من الكتاب والسنة، ويبين الصحيح والضعيف منها، مع التأكيد على أهمية الرجوع إلى الدليل الشرعي الصحيح وتقديمه على أقوال الرجال والمذاهب، وهو منهج سلف الأمة الذي يجب أن يسير عليه طالب العلم وعامة المسلمين.

يهدف هذا الشرح إلى ترسيخ الفهم العميق لأصول الفقه الإسلامي، وتعزيز الوعي بأهمية النظافة والطهارة في حياة المسلم، إضافة إلى تعليم كيفية الموازنة بين النصوص الشرعية المختلفة وتقديم الدليل الأقوى، مما يسهم في بناء شخصية المسلم الواعية والمتبصرة بأمور دينها.

المحاور الرئيسية

1. حكم الوضوء بالنبيذ وأقسام الماء

يبدأ الشيخ بتوضيح أقسام الماء في الشريعة الإسلامية، وهي ثلاثة أنواع: ماء طاهر مطهر (وهو الماء المطلق الذي لا لون له ولا طعم ولا ريح، ويصح التطهر به)، وماء طاهر غير مطهر (مثل الشاي والعصائر والنبيذ، وهو ماء تغيرت صفاته بامتزاجه بشيء طاهر، فلا يجوز التطهر به)، وماء متنجس (وهو الماء الذي خالطته نجاسة وتغيرت إحدى صفاته).

ثم يتطرق إلى مسألة الوضوء بالنبيذ، وهو الماء الذي يُنْبَذ فيه التمر أو العنب أو الزبيب. يوضح الشيخ أن جمهور العلماء على أن الوضوء بالنبيذ لا يجوز ولا يجزئ، لأنه ليس ماءً مطلقًا، وقد تغيرت صفاته. يستدل على ذلك بالآية الكريمة: "فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا" (النساء: 43، المائدة: 6)، فالمسلم إذا لم يجد الماء فعليه التيمم، ولا يوجد واسطة بين الماء والتيمم.

يُناقش الشيخ حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بالنبيذ، ويبين أن هذا الحديث ضعيف بإجماع العلماء (كالبخاري وأبي زرعة وابن حبان وغيرهم)، وأن أبا زيد راويه مجهول. ويرد على من أجاز الوضوء بالنبيذ كبعض الحنفية وسفيان الثوري، الذين اعتمدوا على هذا الحديث الضعيف، مؤكداً على أن الماء إذا تغير لونه أو طعمه بسبب شيء آخر، خرج عن كونه ماءً طهوراً.

2. المنهج الفقهي في التعامل مع الأدلة

يؤكد الشيخ على أهمية المنهج الفقهي السليم في التعامل مع الأدلة الشرعية، مشدداً على أن المذاهب ليست أديانًا يُدان بها، وإنما هي مدارس فقهية يُسلكها طالب العلم بشرط ألا تخالف الدليل. فإذا خالف المذهب الدليل من الكتاب والسنة، وجب الرجوع إلى الدليل الشرعي وتقديمه على قول الإمام أو المذهب.

يستشهد الشيخ بكلام القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي، الذي هاجم الأحناف في مسألة الوضوء بالنبيذ، مبيناً أنهم خالفوا القرآن بالاعتماد على حديث ضعيف، مع أنهم يقولون إن الزيادة على القرآن نسخ، والقرآن لا ينسخ إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر. وهذا الحديث هو خبر آحاد وضعيف، فكيف يؤخذ به في مخالفة نص قرآني صريح؟

يضرب الشيخ مثالًا آخر على تقديم الدليل على قول المذهب بمسألة زكاة الفطر، حيث خالف الإمام أبو حنيفة جمهور الأئمة والسنة النبوية في إخراجها قيمةً نقدية بدلاً من صاع من الطعام، مؤكداً أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة هو إخراجها طعاماً. وهذا يؤكد أن الإمام يؤخذ من قوله ويُرد، إلا النبي صلى الله عليه وسلم.

3. استحباب المضمضة بعد شرب اللبن

ينتقل الشيخ إلى باب المضمضة من اللبن، موضحًا أن المضمضة بعد شرب اللبن مستحبة وليست واجبة. يستدل على ذلك بحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً فدعا بماء فمضمض، وقال: "إِنَّ لَهُ دَسَمًا" (رواه البخاري ومسلم وغيرهما).

يشرح الشيخ علة المضمضة وهي أن اللبن يحتوي على الدسم (الدهن أو القشطة) الذي يترك أثراً في الفم، والمضمضة تزيل هذا الأثر. وهذا يدل على حرص الإسلام على النظافة والطهارة في كل جوانب الحياة، بما في ذلك نظافة الفم ورائحته.

يُذكّر الشيخ بأحاديث أخرى تؤكد على أهمية نظافة الفم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" (رواه البخاري ومسلم)، وقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (البقرة: 222). وهذا يبرز أن النظافة جزء لا يتجزأ من ديننا الحنيف.

النقاط الرئيسية

  • الوضوء لا يصح إلا بالماء الطاهر المطهر، والنبيذ (الماء المنقوع فيه التمر أو العنب) ليس كذلك.
  • الحديث الذي يُستدل به على جواز الوضوء بالنبيذ ضعيف بإجماع أهل الحديث.
  • القرآن الكريم نص صراحة على التيمم عند فقدان الماء، ولا يوجد واسطة بين الماء والتيمم.
  • يجب تقديم الدليل الشرعي الصحيح من الكتاب والسنة على أقوال الأئمة والمذاهب الفقهية عند التعارض.
  • المضمضة بعد شرب اللبن مستحبة لإزالة دسمه من الفم، عملاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الإسلام دين النظافة والطهارة، ويحث على العناية بنظافة الفم والبدن عموماً.

الفوائد والعبر

  • ترسيخ أحكام الطهارة: تعلّم الأحكام الصحيحة للوضوء وأنواعه، وما يجوز التطهر به وما لا يجوز، مما يعين المسلم على صحة عبادته.
  • أهمية التثبت من الأدلة: التدرب على منهج التحقيق في الأحاديث النبوية وعدم الأخذ بالضعيف منها، خاصة إذا تعارض مع نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.
  • الالتزام بالدليل الشرعي: اكتساب القدرة على التمييز بين أقوال العلماء والأدلة، وتقديم الدليل الأقوى من القرآن والسنة على أي قول آخر، مما يعزز الفهم العميق للدين.
  • العناية بالنظافة الشخصية: استلهام أهمية النظافة والطهارة في الإسلام، والحرص على تطبيقها في الحياة اليومية، مثل المضمضة وتنظيف الفم.
  • فهم المنهج الفقهي: التعرف على كيفية مناقشة المسائل الفقهية والرد على المخالفين بالحجة والدليل، مما يثري الفهم النقدي للمذاهب الفقهية.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات