شرح كتاب سبل السلام الموصلةإلى بلوغ المرام باب صفة الصلاة《53- 59》فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.

3,673 مشاهدة
249 مشاركة
منذ سنة

المقدمة

في هذا الدرس من شرح كتاب «سُبُل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» للإمام الصنعاني يواصل فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري شرح باب صفة الصلاة، ويتناول الأحاديث من الثالث والخمسين إلى التاسع والخمسين. وتدور هذه الأحاديث حول ما يُشرع للمصلي بعد السلام من الأذكار والأدعية، وحول الأصل العظيم في اتباع هدي النبي ﷺ في صلاته، ثم أحكام صلاة المريض ومن يعجز عن القيام أو السجود.

وتأتي أهمية هذا الدرس من أن الصلاة أعظم العبادات بعد التوحيد، وأن الأذكار التي تعقبها سبب لمغفرة الذنوب وتكميل النقص. ويُظهر الدرس كذلك يُسر الشريعة الإسلامية، فقد جعلت الاستطاعة مناط التكليف، ولم تُسقط الصلاة عن أحد ما دام عقله حاضرًا، وإنما خففت عنه في هيئتها.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المتعلم الأذكار المشروعة دبر الصلوات وفضائلها، وأن يفهم مسألة الجهر بالذكر بعد الصلاة وأقوال العلماء فيها، وأن يدرك أن أفعال النبي ﷺ في الصلاة بيان لما أُجمل في القرآن، وأن يتعلم كيف يصلي المريض بحسب قدرته. ويُختم الدرس بفائدة عقدية تتعلق بأسماء الله الحسنى.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الأذكار بعد السلام ومسألة الجهر بها

بيّن الشيخ أن العلماء اختلفوا في الجهر بالذكر عقب الصلاة المكتوبة. فرأى الإمام الشافعي رحمه الله الإسرار، وحمل الجهر الوارد على التعليم أو على أنه منسوخ. ورأى آخرون، كالحنابلة، مشروعية الجهر. ورجّح الشيخ بقاء الحكم على الأصل لأن الأصل عدم النسخ، ومن ادّعى النسخ فعليه الدليل. ولا يصح أن يقال إن الإمام اطلع على دليل لم نطلع عليه، فلا نترك الأصل إلا بدليل ناسخ ظاهر.

ونبّه الشيخ إلى أن الجهر المقصود يكون من كل مصلٍّ بمفرده، لا بصوت جماعي موحَّد. فكل واحد يستغفر ويذكر ويسبّح وحده رافعًا صوته. وذكر أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كان يجهر بهذه الأذكار.

ثم شرح حديث ثوبان رضي الله عنه في الاستغفار بعد الصلاة. وأوضح أن المسلم يستغفر بعد الطاعة خشية التقصير فيها، وزيادة في القرب من الله. ومثله ما جاء في سورة النصر من الأمر بالتسبيح والاستغفار بعد تمام النعمة. وقوله «ومنك السلام» اعتراف بأن السلامة من الشرور والآثام من فضل الله وحده، ولولا توفيقه ما صلّينا ولا أطعنا.

قال ثوبان رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رواه مسلم.

وقال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3].

المحور الثاني: التسبيح والتحميد والتكبير وسائر أذكار دبر الصلاة

شرح الشيخ حديث أبي هريرة رضي الله عنه في فضل التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين، وختم المائة بالتهليل. وبيّن أن ذلك سبب لمغفرة الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر، والزَّبَد هو ما يعلو الماء عند اضطرابه. وذكر قصة فقراء المهاجرين الذين قالوا: «ذهب أهل الدثور بالأجور»، لأن الأغنياء يتصدقون ويعتقون ولا يستطيع الفقراء ذلك. فدلّهم النبي ﷺ على هذا الذكر الذي يدركون به من سبقهم.

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» رواه مسلم.

وتعرّض الشيخ لروايات التهليل عشر مرات بعد صلاة المغرب، ومنها حديث عُمارة بن شبيب رضي الله عنه. وفي هذه الروايات أن الله يبعث لقائلها ملائكة يحفظونه. وذكر زيادة «بِيَدِهِ الْخَيْرُ» عند النسائي، ونبّه إلى أن بعض هذه الروايات يحتاج إلى تثبّت في ثبوتها، وأن بعضها يصح بمجموع طرقه. وبيّن أن دعاء الإمام مستقبلًا القبلة مستدبرًا المأمومين لم تأتِ به السنة، وأن الثابت أنه ﷺ كان إذا سلّم استقبل المأمومين.

ثم شرح وصية النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه. وأوضح أن «دبر الصلاة» يعني آخرها، والمراد هنا ما بعد التسليم. وذكر أن الأصل في النهي التحريم، فقال بعضهم بوجوب هذا الدعاء، وقال غيرهم إن النهي هنا للإرشاد بقرينة أن السياق سياق نصيحة: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح.

وذكر حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه في فضل قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ». ونبّه إلى قاعدة عند المحدثين: إذا أُطلق «أبو أمامة» فالمراد الأنصاري، وإذا أُريد الباهلي قُيِّد بنسبته.

المحور الثالث: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» أصل عظيم في الاتباع

بيّن الشيخ أن هذا الحديث جزء من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، وأنه أصل عظيم في أن أقوال النبي ﷺ وأفعاله في الصلاة بيان لما أُجمل في القرآن. فقد أمر الله بإقامة الصلاة في مواضع كثيرة دون تفصيل لكيفيتها وعددها وأذكارها، فجاءت السنة ففسّرت ذلك وفصّلته.

ثم وصف الشيخ صفة الصلاة على هذا البيان النبوي. يبدأ المصلي بالقيام والتكبير، ثم قراءة الفاتحة وما تيسر، ثم الركوع مع قول «سبحان ربي العظيم»، ثم الرفع مع قول «سمع الله لمن حمده». ثم يسجد قائلًا «سبحان ربي الأعلى»، ويجلس بين السجدتين قائلًا «رب اغفر لي»، ثم يسجد الثانية. ثم يأتي بالتشهد الأول في الثلاثية والرباعية، أو بالتشهد الأخير والتسليم في الثنائية.

وقرّر أن ما داوم عليه النبي ﷺ في صلاته من الأفعال والأقوال واجب على الأمة، إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه. وأحال على شرح ابن دقيق العيد لعمدة الأحكام لمن أراد التوسع، فقد أوفى الكلام في هذا الحديث.

قال رسول الله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري.

المحور الرابع: صلاة المريض والعاجز وأن التكليف بحسب الاستطاعة

شرح الشيخ حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، وذكر أنه هو وأبوه صحابيان خزاعيان. ويدل الحديث على أن الأصل في الصلاة القيام والركوع والسجود على الأرض. فمن عجز عن القيام صلى قاعدًا، ومن عجز عن القعود صلى على جنبه، ومن عجز عن السجود على الأرض أومأ. أما من استطاع السجود فلا يجوز له الإيماء. ونبّه إلى أن المشقة والتألم الشديد يبيحان الصلاة قاعدًا، وهذا موافق لقاعدة «المشقة تجلب التيسير». ومن ذلك راكب السفينة الذي يخاف دوران رأسه أو الغرق، فيُباح له القعود.

وأما هيئة القعود فلم يبيّنها الحديث، فتصح على أي هيئة. واختلف العلماء في الأفضل: فقيل التربع، وهو قول الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة والشافعي، وقيل الافتراش، وقيل التورك. ولعل الأيسر التربع، فإن لم يتيسر صلى على حسب ما يتيسر له. ومن صلى على جنب فيكون على جنبه الأيمن مستقبلًا القبلة بوجهه، كهيئة الميت في قبره. وذكر الشيخ أنه لا يجب شيء بعد تعذّر الإيماء على ظاهر الحديث، وأن ما قيل من الإيماء بالعينين أو بالقلب لم يأتِ في الأحاديث.

وتكلم الشيخ عن الكراسي في المساجد. فلا حرج في استعمالها لمن احتاج إليها إذا كانت داخل الصف ولا تؤثر على تسويته. وأما الدكك الكبيرة التي تقطع الصفوف فلا ينبغي وجودها في مساجد السنة. وحثّ الأئمة على مراعاة أحوال المأمومين، كالكبار والمرضى والمتعبين، خاصة في صلاتي الفجر والعشاء.

قال رسول الله ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رواه البخاري.

وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103].

وقال ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» متفق عليه.

المحور الخامس: فائدة عقدية في أسماء الله الحسنى

ختم الشيخ الدرس بمسألة في باب الأسماء والصفات. فذكر حديث الصحيحين من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه في أن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة. والإحصاء يكون بحفظها واعتقاد معانيها والعمل بمقتضاها.

وبيّن أن أسماء الله تعالى غير محصورة في هذا العدد، واستدل بحديث ابن مسعود رضي الله عنه في مسند أحمد بإسناد صحيح. فلله أسماء حسنى كثيرة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، ومنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده.

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» متفق عليه.

وفي دعاء الهمّ: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» رواه أحمد.

النقاط الرئيسية

  • الأصل عدم النسخ، ومن ادّعى نسخ الجهر بالذكر بعد الصلاة فعليه الدليل. والجهر يكون من كل مصلٍّ بمفرده لا بصوت جماعي.
  • الاستغفار بعد الصلاة يكون خشية التقصير في الطاعة، وزيادة في القرب من الله.
  • التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين، وختم المائة بالتهليل، سبب لمغفرة الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر.
  • السنة أن يستقبل الإمام المأمومين بعد السلام. ومن الأدعية الجامعة بعد الصلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
  • حديث «صلّوا كما رأيتموني أصلي» أصل في أن صلاة النبي ﷺ بيان لما أُجمل في القرآن، وأن ما داوم عليه فيها واجب الاتباع إلا ما خصّه الدليل.
  • يصلي المريض بحسب قدرته: قائمًا، فإن عجز فقاعدًا، فإن عجز فعلى جنبه، ولا يومئ من يستطيع السجود.
  • أسماء الله الحسنى لا تنحصر في تسعة وتسعين، وإنما هذه المذكورة في الحديث هي التي من أحصاها دخل الجنة.

الفوائد والعبر

  • احرص على ألا تقوم من مصلّاك قبل الإتيان بأذكار ما بعد الصلاة، فهي غنيمة سهلة يدرك بها الفقير أجر الغني المتصدق.
  • لا تغترّ بعملك مهما عظم، واختم طاعاتك دائمًا بالاستغفار، اعترافًا بالتقصير وتواضعًا لله.
  • تعلّم صفة صلاة النبي ﷺ بأدلتها، لتكون صلاتك على هديه، تحقيقًا لقوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي».
  • استشعر رحمة الشريعة ويُسرها، فلا تترك الصلاة بحجة المرض، بل صلِّ على قدر استطاعتك، فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
  • إن كنت إمامًا فراعِ أحوال الضعفاء والكبار والمرضى من المأمومين، واحرص على أن تبقى الصفوف متراصّة غير مقطوعة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات