شرح كتاب سبل السلام الموصلةإلى بلوغ المرام باب صفة الصلاة《43- 45》فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.

5,098 مشاهدة
64 مشاركة
منذ سنة

المقدمة

في هذا الدرس من سلسلة شرح كتاب «سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» يواصل فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري شرح «باب صفة الصلاة». ويتناول الدرس حديثين من أحاديث الباب. الأول حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه هيئة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ووضع يديه وصفة الإشارة بالسبابة. والثاني حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه ألفاظ التشهد التي علّمها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.

والتشهد من أعظم مواضع الصلاة، ففيه الثناء على الله تعالى والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم والدعاء لعباد الله الصالحين وتجديد شهادة التوحيد. لذلك ينبغي للمصلي أن يعرف هيئته وألفاظه ومعانيه، حتى يؤديه كما أداه النبي صلى الله عليه وسلم ويخشع فيه.

ويهدف الدرس إلى تعريف المشاهد بما يلي: الصفة الصحيحة لوضع اليدين في التشهد، ومعنى «عقد ثلاثة وخمسين» في حساب العرب بالأصابع، ومسألة الإشارة بالسبابة وتحريكها، وحكم التشهدين، ومعاني ألفاظ التحيات، وما فيها من دلالة على وحدة الأمة الإسلامية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: هيئة وضع اليدين في التشهد

بدأ الشيخ بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ويده اليمنى على ركبته اليمنى. ونبّه الشيخ إلى أن المصلي لا يضع يديه حيث شاء، بل يتّبع هيئة النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر أن رؤوس الأصابع تكون عند طرف الركبة، كأن المصلي يمسك ركبته.

ثم ذكر ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر في إلقام اليد اليسرى الركبة. وبيّن الحكمة من ذلك كما ذكرها أهل العلم: أن تُشغل اليد بهذه الهيئة فلا تعبث، وذلك أعون على الخشوع. أما اليمنى فتشتغل بالإشارة بالسبابة.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ».

المحور الثاني: معنى «عقد ثلاثة وخمسين» وحساب العرب بالأصابع

شرح الشيخ معنى «عقد ثلاثة وخمسين». فالمصلي يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويجعل الإبهام عند أصل السبابة، ويُرسل السبابة ممدودة. ونقل عن الحافظ ابن حجر وغيره أن هذه صورتها في حساب العرب. وذكر أن هذا العقد يكون في اليد اليمنى دون اليسرى.

ثم فصّل الشيخ في «حساب العقود» عند العرب: الآحاد والعشرات تُعقد بأصابع اليد اليمنى، والمئون والألوف تُعقد باليسرى، ولكل عدد هيئة معروفة. وكان هذا معلومًا عندهم. ولهذا استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في البيان، كما في قوله عن الشهر: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» وأشار بأصابعه. ثم ذكر الشيخ أن هذه الطريقة اندثرت بعد انتشار الكتابة، وإن بقيت بقايا منها في بعض البوادي العربية.

وبيّن الشيخ أن الروايات في هذه الصفة متعددة. ففي رواية: قبض الأصابع كلها والإشارة بالسبابة. وفي رواية: تحليق الإبهام مع الوسطى والإشارة بالسبابة. والظاهر أن المصلي مخيّر بينها، فيعمل بهذه مرة وبتلك مرة.

المحور الثالث: الإشارة بالسبابة بين التحريك وعدمه

عرض الشيخ مسألة تحريك السبابة. فقد ورد في حديث ابن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم «كَانَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَلَا يُحَرِّكُهَا»، وبيّن الشيخ أن زيادة «ولا يحركها» شاذة لا تصح. وورد في حديث وائل بن حجر رضي الله عنه: «ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا». وجمع البيهقي بين الروايتين بأن المراد بالتحريك الإشارة، لا تكرير التحريك.

وذكر الشيخ أن الأمر في هذه المسألة واسع. فالإشارة نوع من التحريك، وبين اللفظين تقارب في اللغة وفي الفهم. وأشار إلى ما ورد في بعض الروايات من أن الإشارة بها «أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ».

أما موضع الإشارة، فما روي من أنها عند قول «لا إله إلا الله» لا يصح عند الشيخ. والصحيح أن الإشارة تكون من أول التشهد إلى آخره. وينوي المصلي بها التوحيد والإخلاص، فيجمع بين القول والفعل والاعتقاد. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإشارة بإصبعين، فقال لمن رآه يشير بهما: «أَحِّدْ أَحِّدْ».

المحور الرابع: ألفاظ التشهد وحكمه

انتقل الشيخ إلى حديث ابن مسعود رضي الله عنه في صفة التشهد. وبيّن أن قوله صلى الله عليه وسلم «إذا صلى أحدكم» معناه: إذا جلس للتشهد. وذلك بالإجماع، لأن المصلي لا يخرج من الصلاة إلا بالسلام. وذكر أن تشهد ابن مسعود هو التشهد الذي اختاره أكثر أهل العلم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِلنَّسَائِيِّ: «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ». وَلِأَحْمَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ».

وبيّن الشيخ حكم التشهدين. فالتشهد الأول واجب، ومن نسيه جبره بسجود السهو. والتشهد الأخير ركن لا تصح الصلاة إلا به. وذكر أن الصلاة الإبراهيمية واجبة عنده لورود الأمر بها، وأن عدم ذكرها في هذا الحديث لا ينفي وجوبها، لأن الزيادة الثابتة في أحاديث أخرى مقبولة. وأشار كذلك إلى أن الصحابة كانوا يقولون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم «السلام عليك أيها النبي»، فلما مات قالوا «السلام على النبي». وكلا اللفظين صحيح، والصلاة صحيحة بأيهما.

المحور الخامس: معاني التحيات ودلالتها على وحدة الأمة

شرح الشيخ معنى «التحيات لله»: أن التحيات بأنواعها، وهي البقاء والدوام والعظمة، مستحقة لله سبحانه. ولا يقال «السلام على الله»، لأن الله هو السلام ومنه السلام. واستدل بحديث خديجة رضي الله عنها لما أقرأها جبريل السلام من ربها، فقالت: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَمِنْهُ السَّلَامُ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ». ثم بيّن أن «الصلوات» تشمل الدعاء والعبادات، وأن «الطيبات» تشمل ما طاب من الأقوال والأعمال، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.

وبيّن أن «أل» في «النبي» للعهد الذهني، والمقصود بها محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء. وأن المصلي يدعو له بالسلامة والرحمة والبركة. وعلى المؤمن أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه وولده والناس أجمعين، لأن الله تعالى هدانا به.

وفي قوله «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» نبّه الشيخ إلى أن المصلي لا يخص نفسه بالدعاء، بل يدعو لكل عبد صالح في السماء والأرض. فالمسلم في بلد يدعو لإخوانه في كل البلاد، فتكون الأمة كلها كالجسد الواحد. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].

النقاط الرئيسية

  • السنة في التشهد وضع اليد اليسرى على الركبة اليسرى واليمنى على الركبة اليمنى، لا حيث شاء المصلي.
  • «عقد ثلاثة وخمسين» هيئة من حساب العرب بالأصابع: تُقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويوضع الإبهام عند السبابة، وتُرسل السبابة للإشارة.
  • وردت في وضع اليد اليمنى صفات متعددة، والمصلي مخيّر بينها، فيعمل بهذه مرة وبتلك مرة.
  • الإشارة بالسبابة تكون من أول التشهد إلى آخره، ويُنوى بها التوحيد. ولا تصح زيادة «ولا يحركها»، ولا تخصيص الإشارة بقول «لا إله إلا الله».
  • التشهد الأول واجب يُجبر بسجود السهو، والتشهد الأخير ركن تبطل الصلاة بتركه.
  • لا يقال «السلام على الله»، لأن الله هو السلام ومنه السلام، وإنما يقال «التحيات لله».
  • قول «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» دعاء يشمل كل عبد صالح، وفيه دلالة على وحدة الأمة.

الفوائد والعبر

  • اتباع هيئة النبي صلى الله عليه وسلم في الجلوس للتشهد، والتنويع بين الصفات الثابتة، لأن ذلك أكمل في الاقتداء وأعون على الخشوع.
  • استحضار معنى التوحيد عند الإشارة بالسبابة، فيجتمع في المصلي القول والفعل والاعتقاد، ويجتنب الإشارة بإصبعين.
  • العناية بالتشهدين وعدم التهاون فيهما، ومعرفة أن ترك الأخير يبطل الصلاة، وأن نسيان الأول يُجبر بسجود السهو.
  • تدبّر ألفاظ التحيات أثناء الصلاة، ففيها الثناء على الله تعالى والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم وتجديد محبته.
  • إحياء معنى الأخوّة الإسلامية بالدعاء لكل عبد صالح في كل مكان، والشعور بأن المسلمين أمة واحدة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات