شرح كتاب سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام《 الترهيب من مساوئ الأخلاق22 - 30》الشيخ أبو حفص بن العربي
المقدمة
يواصل فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري شرح كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام»، في باب «الترهيب من مساوئ الأخلاق». ويتناول هذا المجلس الأحاديث من الثاني والعشرين إلى السادس والعشرين. وهي أحاديث تحذّر من آفات اللسان التي تفسد على المسلم دينه وتقطع ما بينه وبين الناس، مثل الفحش والبذاءة والطعن واللعن، وسبّ الأموات، والنميمة، وإنفاذ الغضب.
وتأتي أهمية هذا الموضوع من أن الأخلاق جزء من الإيمان. فقد نفى النبي ﷺ عن المؤمن صفات الطعن واللعن والفحش، وأخبر أن الله يبغض الفاحش البذيء. ويقف الشيخ عند ألفاظ الأحاديث ودرجاتها، وينقل أقوال أهل العلم كالصنعاني والغزالي والمنذري وابن الأثير، ثم ينزّلها على واقع الناس في بيوتهم ومجالسهم.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد حدود الكلام المباح والمحرم، وأن يفرّق بين النميمة المذمومة وبين تحذير المسلم من شرّ يُراد به. كما يتعلم الفرق بين سبّ الميت وذكر الظالمين للعبرة، وكيف يضبط غضبه بميزان الشرع، فيُنفذه حيث يعين على الطاعة ويكفّه حيث يجرّ إلى المعصية والفساد.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: بغض الله للفاحش البذيء، ونفي الطعن واللعن عن المؤمن
روى الترمذي وصحّحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ»
والبغض ضد المحبة. ومن لوازم بغض الله لعبده أن ينزل به العقوبة ولا يكرمه، كما أنه إذا أحب عبدًا أكرمه وقرّبه وأدخله جنته. والبذيء هو صاحب الكلام القبيح والألفاظ المهينة، وليس ذلك من صفات المؤمن.
وعند الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا:
«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ»
حسّنه الترمذي وصحّحه الحاكم، ورجّح الدارقطني وقفه على ابن مسعود. ونبّه الشيخ إلى أن صيغة المبالغة «لعّان» لا يُفهم منها إباحة قليل اللعن، فاللعن محرم قليله وكثيره، وأشد ذلك لعن المسلم من أهل الخير والفضل. ويُستثنى من ذلك لعن من لعنهم الله ورسوله ﷺ على العموم، كالكافرين وشاربي الخمر.
أما لعن المعيَّن فمسألة اختلف فيها أهل العلم، والاحتياط فيها أوجب. فاللعنة إن لم يكن المعيَّن أهلًا لها صعدت إلى السماء فتُغلق دونها أبوابها، ثم تهبط إلى الأرض، ثم ترجع على قائلها. ولهذا يجب التثبت والتحري الشديد في هذا الباب.
المحور الثاني: النهي عن سبّ الأموات، والفرق بينه وبين ذكرهم للعبرة
أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال:
«لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»
والميت قد صار إلى أعدل العادلين وأرحم الراحمين، فلا ينفعه مدح الناس ولا يضره ذمّهم. فإن كان من أهل النار لم ينفعه ثناء أهل الأرض جميعًا، وإن كان من أهل الجنة لم يضره لعن أهل الأرض كلهم.
وفرّق الشيخ بين أمرين. الأول سبّ الميت وشتمه، وهو المنهي عنه. والثاني ذكر المفسدين بأفعالهم للعظة والاعتبار، وهو جائز. فقد ذكر الله تعالى في كتابه فرعون وهامان وقارون وقوم عاد وثمود، وذكر العلماء أبا جهل وأبا لهب وصناديد الكفر، ووصف المؤرخون الحجاج بن يوسف الثقفي بالظلم.
ونقل الشيخ عن ابن الأثير في مقدمة «الكامل في التاريخ» أن ذكر الظلمة بظلمهم ليس من الغيبة، بل فيه فوائد. ومن أهمها أن يرتدع الظالمون من الأحياء، فكل إنسان يحب أن يُذكر بالخير بعد موته، فإذا علم أنه سيُذكر بالشر والفساد كان ذلك زاجرًا له إن كان فيه خير. وفي المقابل يُذكر أهل الفضل بفضلهم ليقتدي بهم الأحياء.
المحور الثالث: خطر النميمة وحقيقتها
في الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»
وذكر الشيخ في هذا الحديث لطيفة: أن رجلًا كان يبيع «القتّ» وهو الحبال، فبكى لما سمع الحديث ظنًّا أنه المقصود. فبُيّن له أن القتّات هو النمّام. والصلة بين المعنيين أن الحبل يصل بين شيئين، والنمّام يصل الكلام بين الناس ليفسد بينهم. ومعنى «لا يدخل الجنة» أنه لا يدخلها مع الداخلين أولًا، فهو ليس كافرًا ولا مخلّدًا في النار، وإنما يُعذَّب بقدر معصيته ثم يدخلها برحمة الله.
وقيل إن بين القتّات والنمّام فرقًا. فالنمّام يحضر القضية مع أصحابها ثم يبلغها، أما القتّات فيتسمّع على الناس من حيث لا يشعرون ثم ينقل ما سمع، وهو أخبث. ونقل الشيخ عن الغزالي أن حدّ النميمة هو كشف ما يُكره كشفه، سواء أكان ذلك بالقول أم بالكتابة أم بالرمز أم بالإشارة.
ونقل عن الحافظ المنذري إجماع الأمة على تحريم النميمة، وأنها من أعظم الذنوب عند الله. واستدل الشيخ على أنها من الكبائر بحديث ابن عباس رضي الله عنهما في صاحبي القبرين:
«إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»
وتلا الشيخ في هذا السياق قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]
وبيّن الشيخ أن علاج النمّام سهل، وهو السكوت عنه وعدم الإصغاء إليه، فإذا سكت عنه الناس لم يجد ما ينقله. أما الكذّاب الذي يختلق ما يقول فالحيلة فيه أقل.
المحور الرابع: متى لا يكون نقل الكلام نميمة؟
نبّه الشيخ على ضابط مهم حتى لا تختلط الأمور. فإذا سمع المسلم شخصًا يخطط لإيذاء أخيه أو الإضرار به ظلمًا وعدوانًا، وجب عليه أن يحذّره ليأخذ حذره ويحتاط لنفسه. وهذا ليس من النميمة، بل هو من النصيحة ودفع الشر عن المسلمين. وعلى هذا يُحمل ما كان الصحابة رضي الله عنهم ينقلونه إلى رسول الله ﷺ من كلام المنافقين.
فالنميمة المحرمة هي نقل الكلام بقصد الإفساد بين الناس. وإن أمكن التحذير دون ذكر من صدر منه الكلام فهو أولى، وإلا ذُكر بقدر الحاجة.
وأشار الشيخ كذلك إلى أن إفشاء السر الذي ائتمنك عليه أهل المجلس محرم، فلا يجوز إخراج ما قيل فيه إلا بإذن أصحابه. ونبّه على ضعف بعض الأحاديث الواردة في النميمة، كحديث «ليس منا ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة»، وحديث «خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا ذُكر الله...». وفي الأحاديث الصحيحة ما يكفي في التحذير منها.
المحور الخامس: كفّ الغضب وضبطه بميزان الشرع
أورد المصنف حديث أنس رضي الله عنه: «من كفّ غضبه كفّ الله عنه عذابه»، أخرجه الطبراني في الأوسط. وبيّن الشيخ أن الحديث ضعيف لكن معناه صحيح، ويشهد له قوله تعالى في صفات المؤمنين:
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]
وإنفاذ الغضب سهل على النفس لما فيه من الانتقام، أما كفّه فأمر شاق يحتاج إلى الحلم والصبر ومجاهدة النفس، ولذلك عظُم أجره. والضابط في ذلك هو الشرع لا الهوى. فالغضب الذي يعين على الطاعة، كتأديب الولد على ترك الصلاة، لا حرج في إنفاذه في حدود الشرع ومن غير تعسّف. أما الغضب الذي يجرّ إلى المعصية، كالطلاق لأتفه الأسباب أو إراقة الدماء، فيحرم إنفاذه.
وذكر الشيخ من واقع الفتوى أمثلة لما يجرّه الغضب على البيوت، من طلاق وظهار بسبب كلمة أو بسبب الملح في الطعام. ونصح عند اشتداد الغضب بين الزوجين بأن يخرج الرجل من البيت، فإن ذلك لا يقدح في رجولته. فقد خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى المسجد لما وقع بينه وبين فاطمة رضي الله عنها شيء، ومن يكون أحدنا بجانب علي رضي الله عنه؟
وتطرّق الشيخ إلى ولاية الأب على أولاده ما داموا يعيشون في بيته وتحت نفقته، فله عليهم حق التربية والتأديب. واستدل بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]
وبقوله ﷺ:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
ونبّه في المقابل على ألّا يتعسف الأب في حقه، وأن يداري أولاده ويتغاضى عن بعض الهفوات. كما أكد أن للأب من خبرة الحياة ما لا يدركه الولد مهما بلغ علمه وشهاداته، فلا يحل للابن أن يستخفّ بأبيه الذي ربّاه حتى صار طبيبًا أو مهندسًا أو أستاذًا.
النقاط الرئيسية
- الله يبغض الفاحش البذيء، ومن لوازم بغضه إنزال العقوبة بالعبد وحرمانه من الإكرام.
- الطعن واللعن والفحش والبذاءة ليست من صفات المؤمن كامل الإيمان. واللعن محرم قليله وكثيره، ولعن المعيَّن يجب فيه التثبت والاحتياط.
- يحرم سبّ الأموات لأنهم أفضوا إلى ما قدّموا، ويجوز ذكر المفسدين والظالمين بأفعالهم للعظة والعبرة لا للشتم.
- النميمة هي نقل الكلام بين الناس للإفساد، وهي من الكبائر بإجماع الأمة. وقد تكون باللسان أو بالكتابة أو بالإشارة.
- تحذير المسلم من شر يُدبَّر له ليس من النميمة، بل هو من النصيحة الواجبة.
- كفّ الغضب عبادة شاقة عظيمة الأجر، والمعتبر في إنفاذ الغضب أو كفّه هو ميزان الشرع لا هوى النفس.
- للأب حق التربية والتأديب على أولاده ما داموا في بيته وتحت نفقته، من غير تعسف ولا ظلم.
الفوائد والعبر
- احفظ لسانك من الألفاظ البذيئة واللعن والطعن في الناس، فإن ذلك يجلب بغض الله، وتأدّب بأدب النبي ﷺ في كلامك.
- إذا جاءك نمّام فاسكت عنه ولا تُصغِ إليه، فبسكوتك تقطع عليه طريقه، ولا تكن أنت ناقلًا للكلام بين الناس.
- احفظ أسرار المجالس، ولا تُخرج ما ائتُمنت عليه إلا بإذن أصحابه، إلا أن يكون في السكوت ضرر يقع على مسلم فحذّره منه.
- عند اشتداد الغضب في البيت اخرج منه حتى تهدأ، فكلمة تقابلها كلمة قد تهدم الأسرة بطلاق تندم عليه.
- تذكّر أنك ستموت ويبقى ذكرك بين الناس، فاحرص على أن تترك سيرة طيبة، واعتبر بمن ذكرهم التاريخ بالظلم والفساد.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات