شرح كتاب " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " |[ 25 ]|شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

586 مشاهدة
326 مشاركة
منذ 3 سنوات

مقدمة

يأتي هذا الدرس، وهو المجلس الخامس والعشرون من سلسلة شرح كتاب "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" للعلامة السخاوي رحمه الله، ضمن جهود فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري في إثراء المكتبة الإسلامية بالعلم الشرعي الأصيل. يتناول هذا المجلس موضوعاً بالغ الأهمية والحساسية في علم مصطلح الحديث، وهو "الحديث الموضوع" أو المكذوب، الذي يمثل خطراً جسيماً على نقاء الشريعة وصحة الاعتقاد.

يهدف هذا الشرح إلى كشف زيف الأحاديث المكذوبة وتمييزها عن الصحيح، مع بيان خطورة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك بقصد أو بجهل. كما يسعى الدرس إلى تحصين المسلم ضد الانحرافات العقدية والمنهجية التي قد تنجم عن قبول هذه الأحاديث، وتعميق فهمه لضرورة التثبت والتحقق من مصادر الدين.

سنتعرف من خلال هذا الدرس على الفئات التي أجازت وضع الحديث ودوافعها الواهية، وكيف رد العلماء على شبهاتهم، مع تسليط الضوء على الأضرار البالغة التي يسببها هؤلاء في جسد الأمة، خاصة من يتظاهر بالزهد والعبادة.

المحاور الرئيسية

1. تعريف الحديث الموضوع ومن أجاز وضعه

يُعرّف الحديث الموضوع بأنه الكذب المختلق المصنوع المنسوب زوراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد وقف المجلس عند قول السخاوي رحمه الله عن قوم أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني، وهم الكرامية، الذين جوزوا وضع الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم.

كان هؤلاء يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال، معللين ذلك بجهلهم الفاضح بأنهم "لا يكذبون عليه، إنما يكذبون له". وقد اعتبر الشيخ هذا التصرف من أعظم الجهل بالشريعة، فهو يوحي بأن الدين فيه نقص وأنهم أرادوا تكميله، وهذا يتنافى مع كمال الدين الذي صرح به القرآن الكريم: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (المائدة: 3).

2. حجج الواضعين والرد عليها

احتج الواضعون بأن كذبهم في الترغيب والترهيب هو "للشارع" لكونه مقوياً لشريعته لا عليه، وأن الكذب عليه إنما يكون فيما يقصد به شينه وعيب دينه. كما زعموا أن حديث "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ورد في رجل معين، أو أن الزيادة "ليضل به الناس" تقيد الإطلاق.

رد الشيخ على هذه الشبهات بأن هذا الكلام في غاية الجهل والغباء، فكيف تكون شريعة الله ضعيفة تحتاج إلى تقوية أو ناقصة تحتاج إلى تكملة؟ وأما الزيادة "ليضل به الناس" فهي زيادة موضوعة وضعيفة، وعلى تقدير قبولها فاللام ليست للتعليل وإنما هي لام العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ (القصص: 8). كما أن افتراء الكذب على الله محرم مطلقاً سواء قصد به الإضلال أم لم يقصد.

أكد الشيخ أن نصرة دين الله لا تكون إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنة، وباتباع منهج سلف الأمة من الصحابة والتابعين بإحسان، وأن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر تدخلاً في الأحكام الشرعية التي هي حق خالص لله عز وجل.

3. أصناف الواضعين للحديث وخطورتهم

ذكر الشيخ أن الواضعين للحديث ليسوا صنفاً واحداً، فمنهم من يبتكر الكلام من عند نفسه، ومنهم من يأخذ كلام الحكماء أو الزهاد أو الصحابة وينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمداً أو جهلاً، كما حدث مع ثابت بن موسى الزاهد. ومن أشد هذه الأصناف خطراً ما عزاه الزركشي وابن حجر لبعض فقهاء أصحاب الرأي الذين استجازوا نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا".

شدد الشيخ على أن أشد الأصناف ضرراً هم أهل الزهد والعبادة والمتفقهة، لأنهم يفتنون الناس بظاهرهم الصالح، بخلاف الزنادقة والكفار الواضحين الذين لا يعول عليهم جمهور الأمة. هؤلاء المتظاهرون بالدين يضللون الناس ويحرفون الشريعة من حيث لا يتوقع منهم ذلك، مما يجعل ضررهم أشد وأعمق على الأمة.

أشار الشيخ إلى أمثلة معاصرة لهؤلاء، مثل "مشايخ الديمقراطية" وبعض جماعات الدعوة التي تخرج الناس من ركن في جهنم إلى ركن آخر في جهنم، بزعمهم أنهم ينصرون الشريعة أو يهدون الناس، بينما هم يضلونهم عن الصراط المستقيم.

4. خطورة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وأثره

الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر التي لا يقاومها شيء، حتى أن بعض العلماء كأبي محمد الجويني والد إمام الحرمين، بالغ فكفّر متعمد الوضع. وهذا يدل على مدى فداحة هذا الفعل الذي يعتبر تغييراً وتبديلاً للشريعة وتشريعاً من دون الله.

إن ضرر هؤلاء الواضعين شديد وواضح، فهم يفسدون الدين من داخله، ويجعلون الناس يتبعون أباطيل لا أصل لها في الشرع، مما يؤدي إلى ضلال وانحراف عن الصراط المستقيم. فالشريعة كاملة لا تحتاج إلى زيادة أو نقصان، والكذب عليها هو طعن في كمالها وشمولها.

النقاط الرئيسية

  • الحديث الموضوع هو الكذب المختلق المنسوب زوراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • أجازت بعض الفرق كـ "الكرامية" وضع الحديث في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال، بزعم أنهم يكذبون للنبي لا عليه.
  • هذا الزعم يُعد جهلاً فاضحاً بالشريعة التي أكملها الله وأتم نعمته بها.
  • الرد على حجج الواضعين يؤكد أن الكذب على النبي حرام مطلقاً وأن وعيد "من كذب علي متعمداً" عام وشامل.
  • الواضعون ينقسمون إلى من يبتكر الكلام، ومن ينسب كلام الحكماء أو الزهاد أو الصحابة للنبي، ومن ينسب الأحكام القياسية إليه.
  • أشد الأصناف ضرراً هم أهل الزهد والعبادة والمتفقهة، لأنهم يضلون الناس بظاهرهم الصالح.
  • الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر وقد يصل إلى الكفر عند بعض العلماء، وهو مفسد للشريعة والدين.

الفوائد والعبر

  • أهمية التثبت والتحقق: ضرورة التأكد من صحة الأحاديث ونسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل العمل بها أو نشرها، وعدم الاغترار بجمال الكلام أو تأثيره.
  • كمال الشريعة الإسلامية: فهم أن دين الإسلام كامل لا يحتاج إلى زيادة أو نقصان، وأن أي محاولة لإضافة أو اختلاق فيه هي طعن في كماله.
  • الحذر من المظاهر الخادعة: عدم الاغترار بظاهر الصلاح أو الزهد أو العلم لمن يدعو إلى بدعة أو يروج لباطل، فكثير من الانحرافات تأتي من أناس يتظاهرون بالدين.
  • اتباع المنهج السلفي: الالتزام بمنهج السلف الصالح في تلقي العلم الشرعي والعمل به، والبعد عن طرق المبتدعة والمنحرفين التي تضر بالدين وأهله.
  • خطورة الكذب على الله ورسوله: استشعار عظم ذنب الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من الكبائر العظيمة التي تفسد الدين وتضل الناس عن الحق.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات