شرح كتاب " السُّنَّة " للإمام البربهاري (6) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

796 مشاهدة
398 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

يُعد كتاب "السُنّة" للإمام البربهاري رحمه الله من أهم المتون المختصرة التي تجمع أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة، والتي لا غنى لطالب العلم عنها. هذه السلسلة المباركة، التي يقدمها فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري، تسعى إلى تبسيط وشرح هذا المتن العظيم، لإرساء الفهم الصحيح لعقيدة السلف الصالح في مسائل الإيمان والتوحيد.

في هذه الحلقة السادسة، يتعمق الشيخ في مسائل دقيقة وحساسة تتعلق بأسماء الله وصفاته، محذرًا من المناهج المنحرفة التي خاضت في ذات الله وصفاته بغير علم، ومؤكداً على منهج أهل السنة والجماعة في الإثبات بلا تمثيل ولا تكييف، والتنزيه بلا تعطيل.

تهدف هذه المحاضرة إلى تزويد المشاهد بفهم عميق لأصول العقيدة السلفية في هذا الباب العظيم، وتمكينه من التمييز بين الحق والباطل في مسائل الصفات الإلهية، وتحصينه ضد الشبهات والبدع، ليعبد الله على بصيرة وفهم سليم.

المحاور الرئيسية

1. التحذير من الخوض في ذات الله وصفاته بغير علم

يؤكد الإمام البربهاري رحمه الله، ويشرح الشيخ أبي حفص، أن "الكلام في الرب تعالى محدث وهو بدعة وضلالة". هذا المحور يوضح أن الخوض في ذات الله وصفاته بغير ما ورد في الكتاب والسنة هو ابتداع في الدين ومخالفة لمنهج السلف الصالح. يجب على المسلم أن يتوقف حيث توقف النص الشرعي، ولا يتكلم في الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن التفكر في ذات الله منهي عنه، لما في ذلك من الوقوع في التشبيه أو التعطيل أو التكييف. فالله تعالى ليس كمثله شيء، وهو فوق كل تصوراتنا ومفاهيمنا المحدودة. منهج السلف يقوم على التسليم والإيمان بما ورد دون محاولة إدراك الكيفية أو الغوص في تفاصيل لم يكشفها الله لنا.

قال الإمام البربهاري رحمه الله: "واعلم رحمك الله أن الكلام في الرب تعالى محدث وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه عز وجل في القرآن، وما بين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه، فهو جنة وسنة، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير."

2. منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء والصفات

يوضح الشيخ المنهج القويم لأهل السنة والجماعة في التعامل مع أسماء الله وصفاته، وهو الإثبات بلا تمثيل ولا تكييف، والتنزيه بلا تعطيل. فالله سبحانه وتعالى يوصف بما وصف به نفسه في القرآن الكريم، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية الشريفة، مع الإيمان بأن هذه الصفات حقيقية تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه صفات المخلوقين.

يستعرض الشيخ قاعدة أهل السنة في إثبات الصفات الخبرية كـ "اليد" و"الاستواء" و"النزول"، والإيمان بها على ظاهرها اللائق بالله، دون تحريف معناها أو تعطيلها عن حقيقتها، ودون الخوض في كيفيتها. فالله تعالى "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ".

آية قرآنية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ (الشورى: 11)
آية قرآنية: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ (طه: 5)

3. الرد على أهل البدع: الجهمية ومن تبعهم

يتناول الشيخ في هذا المحور الرد على الفرق الضالة، خاصة الجهمية ومن سار على نهجهم، الذين قاموا بتحريف معاني صفات الله تعالى أو تعطيلها. ويضرب الشيخ أمثلة على ذلك، كإنكارهم لصفة "اليد" لله تعالى، وتأويلهم لقوله تعالى: ﴿ وَخَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ (ص: 75) بأنها القدرة أو النعمة، وهو تأويل باطل يخالف ظاهر النص وإجماع السلف.

يوضح الشيخ أن هذه التأويلات تُفضي إلى نفي الصفات الإلهية الثابتة بالكتاب والسنة، وتفتح بابًا للضلال في العقيدة. ويؤكد أن منهج السلف هو إثبات ما أثبته الله لنفسه، دون تأويل أو تعطيل أو تكييف، مع الإيمان بأن الله منزه عن مشابهة خلقه.

4. كمال صفات الله وعظمتها

يُبرز الشيخ الفرق بين الصفات الكمالية التي يوصف بها الله تعالى، وبين ما قد يكون نقصًا في حق المخلوق ولكنه كمال في حق الخالق. فصفات الله تعالى كلها كمال مطلق، لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه. ويُنهى عن وصف الله تعالى بصفات المخلوقين التي تدل على النقص في حقهم، مثل "العقم" أو "الاحتياج إلى الولد"، فهذه صفات نقص لا تليق بالله عز وجل.

إن الله تعالى هو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو الغني المطلق، وكل ما سواه فقير إليه. يجب على المسلم أن يصف الله بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله، وأن يدرك أن هذه الصفات كلها كمال يليق بجلال الله وعظمته، لا يدركها العقل البشري بكيفيتها.

النقاط الرئيسية

  • الكلام في ذات الله وصفاته بغير علم هو بدعة وضلالة يجب الحذر منها.
  • يجب الاقتصار في وصف الله تعالى على ما ورد في القرآن والسنة الصحيحة.
  • منهج السلف الصالح في الصفات هو الإثبات بلا تمثيل ولا تكييف، والتنزيه بلا تعطيل.
  • القرآن كلام الله وتنزيله، وليس مخلوقًا، وهو منه جل وعلا.
  • الرد على الجهمية ومن وافقهم في تأويل صفات الله وتحريفها، مثل صفة "اليد" و"الاستواء".
  • صفات الله تعالى كلها كمال مطلق، ولا يجوز وصفه بما يدل على النقص في حق المخلوق.
  • لا أحد أعلم بالله من الله نفسه، ولا أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم، لذا نتبع ما جاء به الوحيان.

الفوائد والعبر

  • تحقيق التوحيد الخالص: بفهم صفات الله كما جاءت، يُحصن المسلم نفسه من الشرك والتأويلات الباطلة، ويُعمق توحيده لله تعالى.
  • السير على منهج السلف: يتعلم المشاهد أهمية اتباع منهج السلف الصالح في العقيدة، والذي يمثل السبيل الآمن والواضح في فهم دين الله.
  • التمييز بين الحق والباطل: يكتسب المشاهد القدرة على التمييز بين العقيدة الصحيحة والمناهج المنحرفة، مما يعزز بصيرته الدينية.
  • تعظيم الله وتنزيهه: تزداد مهابة الله في قلب المسلم وتعظيمه له، عندما يدرك كمال صفاته وعظمته المطلقة، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين.
  • زيادة اليقين والطمأنينة: يعيش المسلم في طمأنينة ويقين عندما يستند اعتقاده إلى نصوص الوحي الصريحة، بعيدًا عن الشكوك والتأويلات العقلية الفاسدة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات