رسالة إلى شباب أوروبا و أمريكا وتعليق الشيخ أبو حفص بن العربي على حرق الطيار الأردني . رحمه الله
المقدمة
يتناول هذا المقطع من سلسلة التحذير من تنظيم داعش الإرهابي كلمةً وجّهها فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري قبل المجلس الثلاثين من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للعلامة ابن القيم رحمه الله. أُلقيت الكلمة بعد مغرب يوم الأحد التاسع عشر من شهر ربيع سنة 1436هـ، الموافق للثامن من فبراير 2015م. وجاءت تعليقًا على جريمة إحراق الطيار الأردني رحمه الله حيًّا داخل قفص حديدي، وعلى قتل رهائن يابانيين من المستأمنين.
وتكمن أهمية الموضوع في أن هذه الجرائم تُرتكب باسم الإسلام، فتشوّه صورته وتصدّ الناس عن سبيل الله. ويتأثر بها خاصةً الشباب حديثو الإسلام في أوروبا وأمريكا، فقد يظنون أن ذروة سنام الإسلام هي ما يفعله هؤلاء من قتل وإحراق وتخريب، فيقعون في شباكهم وهم يحسبون أنهم يجاهدون في سبيل الله.
ويهدف هذا الدرس إلى بيان حكم الشرع في التعذيب بالنار، وفي حرمة دم المسلم والمستأمن، وإلى تحذير الشباب من الانسياق وراء العواطف. كما يدعوهم إلى لزوم غرز العلماء الربانيين، وإلى التمييز بين حقيقة الدين ودعاوى من ينتسبون إليه زورًا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تحريم التعذيب بالنار في الشريعة الإسلامية
استهل الشيخ تعليقه ببيان أن إحراق الإنسان حيًّا أو ميتًا ليس من فعل الإسلام البتة، ولا يمتّ إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم بصلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى نهيًا صريحًا عن التعذيب بالنار، وجعل ذلك من خصائص رب العالمين سبحانه.
واستدل الشيخ بالحديث الذي يبيّن أن العذاب بالنار حقٌّ لله وحده، فمن أحرق إنسانًا فقد تعدّى حدود الله وخالف صريح السنة. والحكم في ذلك واضح لا خفاء فيه، ومع ذلك أقدم هذا التنظيم على هذا الفعل الشنيع ونسبه إلى الدين.
ثم تساءل الشيخ مستنكرًا: ما الجريمة التي ارتكبها هذا الطيار حتى يُقتل؟ هل ارتدّ عن الإسلام؟ هل حارب أولياء الله؟ ثم من أنتم حتى تقيموا الأحكام وتسفكوا الدماء أصلًا؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (رواه أبو داود)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ» (رواه البخاري)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» (رواه البخاري)
المحور الثاني: حرمة دماء المسلمين والمستأمنين
نبّه الشيخ إلى أن هذا التنظيم يسفك الدماء المعصومة: فهي إما دماء مسلمين، وإما دماء مستأمنين دخلوا البلاد بأمان. ومن أمثلة ذلك قتلهم رهينة يابانيًّا مع ما عُرف من موقف اليابانيين، وهو فعل لا يجيزه الشرع بحال.
ولاحظ الشيخ أن رصاص هؤلاء لا يتوجه إلى اليهود المعتدين، ولا إلى النظام الملحد في سوريا. بل يتوجه دائمًا إلى النساء والأطفال والمسلمين والمسلمات والمستأمنين. وهذا عنده من أوضح الأدلة على أنهم لا يقاتلون في سبيل الله، وعلى أن الإسلام بريء منهم ومن أفعالهم.
قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (رواه البخاري)
المحور الثالث: رسالة خاصة إلى شباب أوروبا وأمريكا
خصّ الشيخ بنصيحته شباب المسلمين في أوروبا وأمريكا، ولا سيما من أسلموا حديثًا. فبعض هؤلاء يظن أن ذروة سنام الإسلام هي ما يراه من أفعال هذا التنظيم، فيبادر إلى الالتحاق به، وهو في الحقيقة يجاهد في سبيل الشيطان. وبذلك يضرّ الإسلام والمسلمين، ويؤلّب الرأي العام في تلك البلدان على دين الله، ويصدّ عن سبيله.
وحذّرهم الشيخ من أن تدفعهم العواطف أو بغضهم لبعض الحكام أو الأجهزة التي قد تؤذيهم إلى الانضمام لهذا التنظيم. وبيّن أن دين الله لا ينتشر بهذه الطريقة أبدًا، ولا يُدعى إليه بالقتل والإحراق. وذكر أنه بلغه أن الله نفع ببعض الفتاوى والنصائح السابقة في بعض البلدان الأوروبية، وهذا من فضل الله.
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
المحور الرابع: حقيقة التنظيم وجهالة قادته
وصف الشيخ هذا التنظيم بأنه تكفيري خبيث يكيد للإسلام ويضربه في الصميم من داخله. ويرى الشيخ أنه تنظيم مخابراتي تقف وراءه وتدعمه جهات استخباراتية أجنبية، غرضها أن تقول للناس: هذا هو الإسلام، إسلام القتل والتخريب والإفساد والإحراق. والإسلام بريء من ذلك كله.
وتساءل الشيخ عن زعيم هذا التنظيم المدعو أبا بكر البغدادي، فوصفه بأنه نكرة مجهول. فأهل العلم الذين عاشوا سنوات طويلة يعرفون في الغالب كل من له شيء من العلم، بل يعرفون أغلب الدعاة والوعّاظ، ولا يُعرف هذا الرجل بعلم ولا دعوة. وأكد أن ما يسمى «دولة العراق والشام» دولة بلا مقومات وبلا علماء، وأنها بلية ابتُلي بها المسلمون باسم الإسلام.
وأشار الشيخ إلى أن بعض المنتسبين لهذا التنظيم لم يبقَ لهم من الإسلام إلا التلفظ بالشهادتين والانتساب إليه اسمًا، أما حقيقة الدين فليست عندهم.
المحور الخامس: هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله
قارن الشيخ بين أفعال هذا التنظيم وبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله. فالدين الذي جاء به سيد الخلق صلى الله عليه وسلم لم يكن يومًا دين حرق وقتل وسفك للدماء المعصومة. إنما هو دين الرحمة والهداية والعدل.
وهذا مناسب لموضوع الدرس الأصلي، وهو شرح «زاد المعاد في هدي خير العباد». فمن أراد معرفة الإسلام الحق فلينظر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، لا في أفعال من ينتسبون إليه زورًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
النقاط الرئيسية
- التعذيب بالنار محرّم شرعًا، فلا يعذّب بالنار إلا رب النار، وإحراق الإنسان حيًّا أو ميتًا ليس من الإسلام في شيء.
- دماء المسلمين والمستأمنين معصومة، وسفكها بغير حق من أعظم الجرائم.
- تنظيم داعش تنظيم تكفيري خبيث، يكيد للإسلام من داخله ويشوّه صورته أمام العالم، والإسلام بريء منه ومن أفعاله.
- يستهدف التنظيم المسلمين والنساء والأطفال والمستأمنين، ولا يوجّه سلاحه إلى أعداء الأمة الحقيقيين.
- الشباب حديثو الإسلام في أوروبا وأمريكا أكثر عرضة للاغترار بهذه الدعاوى، فوجب تحذيرهم بوجه خاص.
- قادة التنظيم نكرات مجاهيل لا يُعرفون بعلم، ودولتهم المزعومة بلا مقومات وبلا علماء.
- دين الله لا ينتشر بالقتل والإحراق، بل بالرحمة والحكمة والموعظة الحسنة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
الفوائد والعبر
- لزوم العلماء الربانيين: على المسلم، ولا سيما حديث العهد بالإسلام، أن يأخذ دينه عن أهل العلم المعروفين، لا عن المجاهيل والمواقع والجماعات المنحرفة.
- ضبط العواطف بالشرع: لا يجوز أن تدفع الحماسة أو بغض الظالمين المسلمَ إلى الانضمام لجماعات تفسد في الأرض، فالعاطفة بلا علم مهلكة.
- معرفة الإسلام من مصادره: الإسلام الحق يُعرف من الكتاب والسنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا من أفعال من ينتسبون إليه ويسيئون إليه.
- تعظيم حرمة الدماء: على المسلم أن يستشعر عظمة حرمة النفس المعصومة، مسلمةً كانت أو مستأمنة، وأن يتبرأ من كل من يستبيحها.
- واجب النصح والبيان: على أهل العلم والدعاة أن يكرروا التحذير من هذه الفتن ويبيّنوا الحق، فقد ينفع الله بالنصيحة أقوامًا في بلدان بعيدة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات