خطبة جمعة بعنوان --- :【 إلى الله المشتكى 】 للشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة
يُقدم الشيخ الفاضل أبي حفص سامي بن العربي الأثري خطبة جمعة مؤثرة بعنوان "إلى الله المشتكى"، ضمن "سلسلة خطب 1444 هـ". تأتي هذه الخطبة في وقت تتزايد فيه التحديات والفتن، لتكون بمثابة دعوة صادقة للعودة إلى الله والالتجاء إليه، وتذكيرًا بضرورة التمسك بالحق في زمن كثرت فيه المغالطات والافتراءات على الدين وأهله.
يهدف هذا المحتوى التعليمي إلى إيقاظ القلوب وتذكيرها بحقيقة الدنيا الزائلة، وأهمية الاستعداد للقاء الله عز وجل من خلال تقواه ومحاسبة النفس. كما يسلط الضوء على خطورة الفتن والمنافقين الذين يسعون لطمس معالم الدين، ويحث المسلمين على التبصر والتفكر في آيات الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ليكونوا على بصيرة من أمرهم في كل صغيرة وكبيرة.
تعتبر هذه الخطبة مرجعًا قيمًا لكل من يسعى لتقوية إيمانه، وتجديد صلته بخالقه، والتحصن من آفات هذا الزمان. فهي تؤكد أن النجاة والفوز الحقيقي يكمن في طاعة الله ورسوله، والاعتصام بحبل الله المتين، وأن كل نفس ستلاقي ربها وتحاسب على ما قدمت، فماذا أعددنا للقاء الله؟
المحاور الرئيسية
1. تقوى الله ومحاسبة النفس
يبدأ الشيخ خطبته بتذكير عميق بضرورة تقوى الله عز وجل والخوف منه، مؤكدًا أن كل إنسان سيعرض على الله ويُحاسب على ما قدمت يداه. هذه المحاسبة ليست مجرد وقوف، بل هي تقرير ومجازاة بالخير خيرًا وبالشر شرًا، حيث لا تخفى على الله خافية.
يؤكد الشيخ على أن هذا اليوم قادم لا محالة، وأن الإنسان مسؤول عن كل أعماله. ويحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان، والاستعداد للقاء الرب جل وعلا، لأن الدنيا دار فناء والآخرة هي دار البقاء.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾. ويتبعها بقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
2. حقيقة الدنيا وزوالها
يتناول الشيخ حقيقة الدنيا الزائلة، مقارنًا إياها بالسوق الذي ينفض ويغلق مع نهاية رمضان، وهي إشارة إلى قرب انتهاء الأجل وملاقاة الله. يشدد على أن الدنيا مجرد معبر، وأن الآخرة هي المستقر الدائم، داعيًا إلى التفكر في الموت والقبر وسؤال الملكين.
يصف الشيخ الدنيا بأنها "حلوة خضرة" مغرية، لكنها فانية لا تدوم. ويحذر من الاغترار بها، مذكرًا بأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة. وهذا يقتضي من المسلم أن يجعل الدنيا في يده لا في قلبه، وأن يستثمرها في طاعة الله لا أن تكون سببًا في هلاكه.
روى الترمذي عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ». وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا».
3. الفتن والمنافقون في زمن الغربة
يحذر الشيخ من الفتن التي تدهم الناس "كقطع الليل المظلم"، حيث يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويبيع دينه بعرض من الدنيا. ويشير إلى "سنوات خداعات" يصدق فيها الكاذب ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، محذرًا من الانسياق وراء دعاة السوء.
يتطرق الشيخ إلى صفات المنافقين الذين يحاربون الله ورسوله، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها. ويصفهم بأنهم أهل لسان يتكلمون بالحق ويريدون به الباطل، ويحاولون أن يثبطوا الناس عن الإنفاق في سبيل الله أو عن طاعته، معتقدين أن العزة لهم، بينما العزة لله جميعًا.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
4. قيمة العلم والعمل الصالح
يؤكد الشيخ على أهمية العلم الشرعي، ويقسم الناس إلى ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق. ويدعو إلى التمسك بالعلم الصحيح الذي ينجي الإنسان، ويحذر من الانسياق وراء كل رأي أو مذهب يخالف الشرع، حتى لو كان يدعي التجديد أو الوسطية.
يُشدد على أن ميزان الحق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن كل قول وعمل وعبادة وفكرة ومنهج وسلوك يجب أن توزن بسنته الشريفة. ويحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن تحل الفتن وتشتد المحن، فكل إنسان بائع لنفسه، فإما أن يعتقها أو يوبقها.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاة
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات