التعليق على "صحيفة همام بن منبه " لفضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.

4,661 مشاهدة
284 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذا المجلس يقرأ فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري «صحيفة همام بن منبه» ويعلّق عليها. وهي من أقدم ما دُوِّن من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواها همام بن منبه عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، حافظ الصحابة. ويذكر الشيخ أنها تقع في قرابة مئة وتسعة وثلاثين حديثًا، وإسنادها: عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب «المصنف»، عن معمر بن راشد البصري ثم الصنعاني، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان المجلس خاتمة رحلة الشيخ الدعوية إلى أسوان، في مسجد أنصار السنة المحمدية بعد صلاة المغرب.

وتظهر قيمة هذا الدرس في أمرين. الأول أنه يصل طالب العلم بالسنة النبوية بإسناد متصل، سماعًا وإجازة، فيحفظ هذه الأحاديث ويرويها بسندها. والثاني أن الصحيفة تجمع أبوابًا كثيرة في موضع واحد: العقيدة، والعبادات، والأخلاق، والآداب، وأشراط الساعة، وأحوال الجنة والنار. فهي مدرسة نبوية مختصرة.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد منزلة هذه الصحيفة في تاريخ تدوين السنة، وأن يفهم معاني أحاديثها بتعليقات الشيخ وترجيحاته في المسائل الفقهية، وأن يعمل بما فيها من هدي يصلح القلب والسلوك والمجتمع.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: منزلة الصحيفة وإسنادها وطريقة الأئمة في روايتها

بدأ الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم عرّف بالصحيفة وإسنادها المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وبيّن أن من أحاديثها ما هو قدسي يرويه النبي عن ربه عز وجل، ومنها ما هو من كلامه صلى الله عليه وسلم، وأن الوحي كله من عند الله سبحانه، سواء نزل به جبريل أو جاء على لسان رسوله.

ونبّه الشيخ على أن الإمام البخاري لم يروِ الصحيفة كاملة، وإنما فرّق منها أحاديث في مواضع كثيرة من صحيحه. وهذا يدل على أنه اختصر ولم يلتزم إخراج كل حديث صحيح، وكذلك فعل الإمام مسلم. أما الإمام أحمد فساق الصحيفة في «مسنده» في موضع واحد، وكذلك رواها عبد الرزاق بتمامها.

ومن آيات خطبة الحاجة التي افتتح بها الشيخ:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

المحور الثاني: فضل النبي صلى الله عليه وسلم وأمته وشفقته عليها

افتُتحت الصحيفة بحديث فضل هذه الأمة، فهي آخر الأمم وجودًا وأولها يوم القيامة، وقد هداها الله ليوم الجمعة. ثم جاء حديث اللبنة، وفيه بيان أن بناء الإسلام تمّ وأن النبوة خُتمت بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

وتوقف الشيخ عند حديث الفَراش الذي يتقحم النار، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بحُجَز أمته ليمنعها من النار، وبعضهم يغلبه ويقتحمها. وتوقف كذلك عند حديث ادّخار دعوته المستجابة شفاعةً لأمته يوم القيامة، وحديث أنه كان يود ألا يتخلف عن سرية تغزو في سبيل الله لولا المشقة على المؤمنين.

ومن هذه الأحاديث:

قال صلى الله عليه وسلم: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ».

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا... فَأَنَا اللَّبِنَةُ».

وقال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».

المحور الثالث: أحكام العبادات من الصلاة والصيام والطهارة

تضم الصحيفة أحاديث كثيرة في الصلاة: تعاقب الملائكة واجتماعهم في صلاتي الفجر والعصر، ودعاء الملائكة للمصلي ما دام في مصلاه ما لم يُحدث، وفضل موافقة تأمين الملائكة، وفرار الشيطان عند الأذان ووسوسته في الصلاة، ووجوب متابعة الإمام، وإقامة الصفوف، والتغليظ على من يتخلف عن صلاة الجماعة. وفي ساعة الإجابة يوم الجمعة رجّح الشيخ أنها آخر ساعة بعد العصر، وذكر القول الآخر بأنها من صعود الإمام المنبر إلى انقضاء الصلاة.

وفي الصيام شرح الشيخ أن الصيام جُنّة، وأن الصائم يُنهى عن الرفث والجهل، وأن خُلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك. وفي حديث «من أصبح جنبًا فلا يصم» بيّن الشيخ أن أبا هريرة رضي الله عنه رجع عنه لما بلغه حديث أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبًا من جماع ثم يصوم. ونبّه على أن من جامع وهو يعلم بطلوع الفجر في نهار رمضان لزمته الكفارة. وفي الطهارة ذكر وجوب غسل الإناء سبع مرات إذا ولغ فيه الكلب.

ومن هذه الأحاديث:

قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

وقال صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَجْهَلْ وَلَا يَرْفُثْ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ».

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا».

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ».

المحور الرابع: الأخلاق والآداب الاجتماعية

تعتني الصحيفة كثيرًا بإصلاح العلاقات بين الناس. فهي تنهى عن الظن والتناجش والتحاسد والتباغض والتدابر، وقد قرر الشيخ أن كل ما يؤدي إلى التباغض والتدابر فهو حرام. وفيها النهي عن ضرب الوجه، والأمر بالنظر في أمور الدنيا إلى من هو أسفل منك حتى لا تزدري نعمة الله عليك.

وفيها آداب السلام، وقد سماها الشيخ «تربية أخلاقية»: يسلّم الصغير على الكبير، والمارّ على القاعد، والقليل على الكثير. وفيها مثل البخيل والمتصدق، والنهي عن المشي في نعل واحدة. وذكر الشيخ في مسألة قتل النمل أن المؤذي منه يجوز قتله، وأن غير المؤذي لا يجوز.

ومن هذه الأحاديث:

قال صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ».

وقال صلى الله عليه وسلم: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ».

وقال تعالى في وجوب حفظ اللسان: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

المحور الخامس: العقيدة وأشراط الساعة والجنة والنار

تتضمن الصحيفة أحاديث في صفات الله عز وجل: سعة رحمته وأنها غلبت غضبه، وأن يمينه ملأى لا تنقصها النفقة. وفيها حديث الأسماء الحسنى وأن من أحصاها دخل الجنة. وبيّن الشيخ أن هذا العدد خاصٌّ بما في إحصائه دخول الجنة، وليس حصرًا لأسماء الله، واستدل بحديث ابن مسعود: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ».

وفي أشراط الساعة تناولت الصحيفة فيض المال حتى لا يجد صاحبه من يقبل صدقته، وقبض العلم، وكثرة الهرج وهو القتل. وفيها اقتتال فئتين عظيمتين دعواهما واحدة، وحمله الشيخ على ما وقع في زمن علي ومعاوية رضي الله عنهما، ثم ظهور الخوارج. وفيها خروج قرابة ثلاثين دجالًا كذابًا يدّعون النبوة، وطلوع الشمس من مغربها. وأشار الشيخ إلى أن بعض ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع، مثل هلاك كسرى وقيصر وإنفاق كنوزهما في سبيل الله.

وفي حديث محاجّة آدم وموسى عليهما السلام قرر الشيخ أن آدم احتج بالقدر على المصيبة لا على الذنب، لأنه كان قد تاب وعلم أن الله تاب عليه. فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، وإنما يُحتج به عند المصائب والابتلاءات.

ومن هذه النصوص:

قال صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي».

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ».

وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].

وقال تعالى: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: 158].

النقاط الرئيسية

  • صحيفة همام بن منبه من أقدم مدونات الحديث، وهي مروية بإسناد متصل: عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
  • لم يلتزم البخاري ومسلم إخراج كل حديث صحيح، وفرّقا أحاديث الصحيفة في أبواب كتابيهما، أما الإمام أحمد فساقها في موضع واحد من «مسنده».
  • النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وهو أشفق الخلق على أمته، وقد ادّخر دعوته المستجابة شفاعةً لها يوم القيامة.
  • رجّح الشيخ أن ساعة الإجابة يوم الجمعة هي آخر ساعة بعد العصر.
  • رجع أبو هريرة عن قوله فيمن أصبح جنبًا، لما بلغه من حديث أمّي المؤمنين عائشة وأم سلمة، فصوم من أصبح جنبًا صحيح.
  • يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، ولا يجوز على فعل المعاصي، كما يدل عليه حديث محاجّة آدم وموسى.
  • كل ما يؤدي إلى التباغض والتدابر بين المسلمين محرم، والأصل أن يكونوا عباد الله إخوانًا.

الفوائد والعبر

  • يحرص طالب العلم على حفظ الأحاديث بأسانيدها المتصلة وعلى حضور مجالس السماع، ففي ذلك حفظ للسنة واتصال بسلسلة الرواة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • يحرص المسلم على أداء الصلاة في جماعة، وعلى متابعة الإمام وإقامة الصفوف والتأمين معه، وعلى البقاء في مصلاه بعد الصلاة لينال دعاء الملائكة.
  • يحفظ الصائم لسانه وجوارحه عن الجهل والرفث، فإن سابّه أحد قال: «إني صائم».
  • من أراد شكر نعمة الله فلينظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منه، فبذلك يطمئن قلبه ويقنع ويشكر.
  • يتعامل المسلم مع إخوانه بالأخلاق النبوية: يترك سوء الظن والحسد والتدابر، ويبدأ بالسلام على الوجه الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ويستعد بالتوبة والعمل الصالح قبل أن تظهر أشراط الساعة الكبرى ويُغلق باب التوبة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات